اليمن.. والعيد.. والواقع المرّ
كاتب وصحافي/علي حسن الشاطر
كاتب وصحافي/علي حسن الشاطر
استقبل اليمنيون عيد الأضحى المبارك هذا العام على نحوِ غير معهود، وفي ظل متغيرات متسارعة جعلتهم عاجزين عن فهم ما يجري في وطنهم وبالذات في العاصمة صنعاء، وخلقت لديهم حالة من الإحباط، وأفقدتهم الأمل في الوصول إلى وطن آمن وغدِ أفضل ظلوا يحلمون بتحقيقه، وقدموا من أجله التضحيات الجسيمة والمعاناة والآلام، ويحاولون انتزاعه من تحت ركام الأزمات ومن بين مخالب قوى النفوذ والتسلط وأنياب تجار الحروب الحالمين ببناء إمبراطوريات خاصة على أنقاض وطن وجماجم شعب وأنين البؤساء والمظلومين.
إن الأوضاع الراهنة التي يعيشها اليمنيون في غاية التعقيد والصعوبة والخطورة، ضاعفت مخاوفهم على وطنهم وأمنه واستقراره ووحدته ومستقبل أجياله، وأنستهم أفراح ومباهج هذا العيد التي اعتادوا عليها كما اعتادها غيرهم من المسلمين، وتحولت إلى مشاعر من الرعب والأحزان والقلق الدائم، وحالة غير مسبوقة من الاضطراب وعدم اليقين.
إن الأزمات المتجددة باستمرار التي طغت على الأوضاع العامة في اليمن لم تكن وليدة اللحظة الراهنة بقدر ما هي نتاج متوقع لظاهرة سياسية انقلابية طارئة ما برحت تواصل فعلها السلبي التدميري على أكثر من صعيد منذ ما يزيد عن ثلاثة أعوام وصلت فيها الأمور إلى مرحلة تحولِ نوعي خطير يحمل في طياته مؤشرات لاحتمالات كارثية لا يمكن لممكنات الواقع وقدراته تجاوزها أو احتواءها وجعلها ضمن حدود السيطرة التي تحول دون الانهيار الكلي لا سمح الله، إلا بثمن باهظ يتوجب على الوطن دفعه.
ففي خلال السنوات الثلاث المنصرمة، تعطلت عملية التنمية، واستشرى الفقر والبطالة والفساد، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وارتفعت الأسعار بشكل أثقل كاهل المواطن، بالإضافة إلى انهيار مؤسسات الدولة وتعطيل وظائفها وتخلي الدولة عن مسؤولياتها الدينية والوطنية والدستورية، والانفلات الأمني المريع الذي أدى إلى تزايد بشاعة إرهاب تنظيم القاعدة الذي لم يكتف باختطاف الأبرياء من الناس ومن ثم يقوم بذبحهم أو إحراقهم، على مرأى ومسمع من الدولة، بالإضافة إلى حالة الفوضى العارمة التي تسود البلاد، وما يصاحبها من ممارسات مخالفة للأنظمة والقوانين، مما جعل الواقع الوطني بيئة اجتماعية وسياسية وأمنية رخوة مواتية لانتشار الإرهاب والفتن والصراعات والحروب، فيما تحولت العملية السياسية الديمقراطية إلى ماكينة لإنتاج ثقافة الحقد والكراهية والتطرف والغلو، والاستقطابات والتحالفات غير الوطنية، والفرز العصبوي، والتعبئة الإيدلوجية والدينية القاصرة والخاطئة، وتوقف الآلية الوطنية للتعامل السياسي الديمقراطي الطبيعي، لتحل محلها آليات تصادمية وغير ديمقراطية تتنازعها تيارات ومشاريع وثقافات إقصائية تناحرية متعددة هواياتها ومحركاتها.
الثلاث السنوات الماضية كانت كفيلة بإحداث ندوبات غائرة في جسد الوطن المنهك، وفي التآكل المستمر في أسس وعوامل وعناصر البنى الهيكلية للدولة والمجتمع، واستمرار عمليات التصدعات الرأسية والأفقية في النسيج الاجتماعي والوطني والقيمي والثقافي للشعب، أفرزت واقعاً وطنياً أكثر ضعفاً وهشاشة وغير قادر على مواجهة أبسط الهزات؛ سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، وجعلته أيضاً عرضة للانفجار والانهيار الكلي، هذا الواقع المختل والرخو أضحى في نفس الوقت عقيماً عن إنتاج المعالجات الوطنية الحقيقية لأبسط التحديات، والإشكالات الطارئة التي سرعان ما تتحول إلى أزمات وطنية حقيقية، وبوابة للتدخلات الخارجية وممارسة الابتزاز السياسي البشع، وتعميق الخلافات المدمرة للوطن والزج به نحو حروب وصراعات تهدد حاضره ومستقبله، لن يتعافى منها إلا بثمن باهظ ومؤلم.


في الأربعاء 08 أكتوبر-تشرين الأول 2014 02:31:39 ص

تجد هذا المقال في وفاق برس
http://wefaqpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://wefaqpress.com/articles.php?id=1194&lng=arabic